السيد محمد الصدر
169
تاريخ الغيبة الصغرى
بنفس الظاهرة ، كما عرفنا . وقد يخطر في الذهن : اننا وجدنا عدة استثناءات لهذه القاعدة ، أهمها اللغة وغيرها . فلتكن الدولة من هذه الاستثناءات . والجواب على ذلك : اننا عرفنا أيضا أن هذه الاستثناءات لا تعني شيئا آخر غير انخرام القاعدة المادية وبطلانها . فلتكن الدولة كذلك . النتيجة الثانية : إن درجتين من وسائل الانتاج إحداهما في غاية البساطة والبدائية ، والأخرى في قمة التعقيد والتطور ، وهما متباعدتان في التاريخ جدا ، قد يزيد الفاصل الزمني بينهما على ألفي عام . . . إحداهما في المجتمع البدائي والأخرى في المجتمع الشيوعي الأعلى . . . قد اتصفت هاتان الدرجتان من التطور المتباين بنفس الظاهرة ، وهي انعدام الدولة . مع أننا عرفنا قبل قليل أنه لا يمكن لمرحلتين من تطور وسائل الانتاج أن تتصفا بنفس الظاهرة . فكيف صح للماركسية الالتزام بذلك ؟ ! ! . . ولو انسجمنا مع القواعد الماركسية لقلنا بأن الوسائل البدائية للانتاج تنتج المجتمع الخالي من الدولة ، وأما الوسائل المتطورة جدا فتقترن بوجود الدولة . ولا يمكن للتاريخ أن يعود القهقرى بأي حال . - 7 - قلنا اننا إذا نظرنا إلى خارج أوروبا ، لا نجد عهود المادية التاريخية مطبّقة بوضوح ، فكذلك لو نظرنا إلى أوروبا نفسها . . . فإن أوروبا بشكلها المعاصر منقسمة إلى قسمين : رأسمالي واشتراكي . أما القسم الرأسمالي ، فلم يمر بعهد الاشتراكية ، وأما القسم الاشتراكي ، فلم يسبق له أن مر بعهد الرأسمالية . . . وإنما طفر من الاقطاع إلى الاشتراكية ، كما قلنا . إذن فعهود المادية التاريخية ، غير مطبقة في أوروبا تماما ، فضلا عن غيرها . كما أن عددا من المجتمعات الأوروبية اجتمعت فيه الرأسمالية مع الاقطاع . فقد حدث ذلك في المجتمعين الفرنسي والألماني ، في عصر المانيوفاكتورة الأولى ، فان ماركس - على ما سنسمع - يعتبر الانتاج المانيوفاكتوري إنتاجا رأسماليا ، مع أنه قد حدث في عصر الاقطاع وبقيا معا ساريي المفعول ردحا من الزمن .